ابو البركات
392
الكتاب المعتبر في الحكمة
هذه الروح الملكية تحنو على الشخص الذي ينسب إليها وتشفق عليه مثل حنو الوالد وشفقته على ولده بل شفقة الوالد من تلك الشفقة فلا يستبعد القول الذي يعز شاهده ويتعذر عليك معرفة حقيقته فإلى مثل هذا تنسب الأحلام وما يراه الانسان في المنام من مخبر ومذكر ومبشر ومحذر ومعلم ومعرف فإن كان الذي قال بالعقل الفعال عنى هذا فقد وافق المفال المقال الا انه تخالف من جهة الواحد والكثير وما يخص شخصا شخصا من العناية والتدبير المختلف المتباين في الأوقات والأحوال واعلم فيما تعلم أن لكل علم نحو تعليم يخصه فعلم يتصور ويتدبر مثل علم الحساب وعلم يتحفظ ويروى كعلم اللغة والاخبار وعلم يتصور ويتدبر ويحفظ ويعتقد بدليل وبرهان يستعرضه العقل من طريق الحس بالتمثيل والتشكيل كعلم الهندسة وما معه وعلم يستخرج بنظر في نظر وعلم من علم في كيفية التعليم والعلم كالذي قصد في علم المنطق وعلم يحصل من جهة الحس والمحسوس بالفكر والقياس والحجة والبرهان بما يرجع إلى الحواس كعلم الطبيعيات وعلم يحصل من ذلك العلم وليس هو هو اعني علم من علم المحسوسات وليس هو علم المحسوسات فشاهد الحس بعيد عنه وانما يتجرد له العقل بذاته ويراه بنظره في مرآته وهو ما انتهى بنا النظر اليه الآن وبدأنا به فمن سلك في علم مسلكه في علم آخر ضل فيه وأخطأ الصواب في فوائده ومعانيه سواء كان من جلى في خفى أو خفى في جلى . فان طلبت الآن فيما نحن بصدده شواهد من الحس والمحسوس كما طلبت فيما سلف لم تجد ولم تصب وان استغنيت بالأمثال والاشكال نكبت عن سبيل الحق فيه إلى جور وضلال وانما هو مما لا سبيل اليه ولا دليل عليه الا من جهة النفس بذاتها دون الحواس وآلاتها اما بطريق المشاهدة وهي كرامات وفتوح وارزاق تساق إلى مسترزق وغير مسترزق وينفرد بها الواصل المرزوق عمن لم يصل ولا يقدر على ايصاله إلى ما وصل اليه كما يقدر على ذلك في علم الاستدلال . واما بطريق الاستدلال النظري والنظر البرهاني ويحتاج فيه هاهنا إلى فطام النفس في انظارها عن شواهد المحسوسات وآثارها فأول هذه الافكار والعلوم